GIF

عندما يقدم الدارس على الحكم والتقييم، في حالة استغلال
دراسات جزئية، لا بد من الالتفات إلى ما يقوله أخصائيون آخرون عن ماهية ودور المنطق الأرسطي في ثقافتهم الأصلية والثقافات المتفرعة عنها.

هذا الاحتراز المنهجي يدعونا إلى افتراض أن تأويل المسلمين لمنطق أرسطو لا يمكن أن يكون إلا تأويلاً إسلامياً أو إقليمياً أو قطاعياً، كالتأويل البيزنطي، والتأويل الإفرنجي المسيحي، وتأويل عهد النهضة إلخ.. فهو مجدود محصور بالضرورة، ولا يمكن أن نأخذ عرضاً من عروضه ونقدمه اليوم كأنه الغاية. لنتذكر أنه في الوقت الذي كان الطلاب الشرقيون يتعلمون المنطق في كتاب قطب الدين الرازي كان الإنجليز يعتمدون على كتاب بوزانكه، ومع أن الكتابين هما شرحان لمنطق أرسطو، فالبعد بينهما بعد السماء عن الأرض. لنتذكر كذلك ما يجري اليوم في معاهد التدريس الغربية. لا أحد يستطيع أن يدعي أن تلقين المنطق الأرسطي اعتماداً على أمثلة نحوية أو لغوية يساوي التلقين اعتماداً على شواهد مأخوذة من الرياضيات العالية.

عندما نتكلم عادة على النص الأرسطي، المضمن في الكتب الثمانية، نتكلم على نص تقرير عاطل مجرد من كل سوابقه ولواحقه، في حين أن النص المفهوم لا بد أن يكون أعمق وأشمل من ذلك. توجد خلف النص الثقافة اليونانية بأصولها المختلفة وهذه إما معلومة مسبقاً وإما مجهولة، على درجات متفاوتة بالطبع. وتوجد فوق النص المعارف المتراكمة في العلوم القطاعية من لغويات واجتماعيات وطبيعيات ورياضيات. النص، في حد ذاته، كالجهاز العظمي، لا تدب فيه الحياة، لا يحيى في ذهن المتقبل ويعود منتجاً، إلا إذا كسي بلحم وانتعش بدم تمدهما به العلوم القطاعية في صورتها الحالية. لذا نطرح سؤالاً يتحاشاه المتخصصون عندنا: إلى أي حدّ استوعب المسلمون المنطق الأرسطي؟ وليس من الضروري، للإجابة على هذا السؤال، أن نطالع كل المؤلفات المنطقية القديمة. نلاحظ بالفعل أن النصوص التي تنشر الآن لا ترقى في معظمها حتى إلى مستوى مذكرات طلاب. مما يعني أن الكتب المهمة قد حققت وطبعت منذ زمن. إذا قرر امرؤ أن يكتفي في هذا الباب بما ألّفه كل من الفارابي المتوفى سنة (339ه‍) وابن سينا (428) وابن حزم (465) والقزويني (493) والغزالي (505) وابن رشد (595) والفخر الرازي (666) والطوسي (672) وكلها شروح وتعاليق، لا أظن أحداً سيدعي أن هذا القدر غير كافٍ لإبداء رأي في القضية التي هي أعم من تلك التي يشتغل بها الدارسون المتخصصون.

بعد مقارنة المؤلفات المذكورة لا بد من الاعتراف أن نوعاً من الاستيعاب قد تمّ فعلاً. يدلّ عليه التقدم الواضح في التعبير. إن ابن حزم والغزالي استطاعا أن يعبرا ببساطة عن دقائق كان الفارابي وابن سينا يحومان حولها بدون طائل. ويدل على الاستيعاب كذلك التحرر النسبي من القوالب الموروثة عن التراجمة الأول. لكن هذه مسألة تقنية، كتب فيها أصحاب الاختصاص ولا يزالون. علينا أن نعود إلى النقطة التي تهمنا بالدرجة الأولى لنتساءل: كيف تمّ التعامل مع النص الأرسطي، هل أخذ على أنه مقصور على منطوقه مفصول عن مادته الثقافية الأصلية أم لا؟ إذا كانت الأولى، ماذا يمكن أن ينتج نص مسطح كهذا؟ وإذا كانت الثانية، من وعي بذلك وماذا فعل لربط ذلك المنطق بجذوره الثقافية؟

إذا قلنا مع الدارسين الغربيين المعاصرين إن مادة المنطق الأرسطي هي اللغة اليونانية، فالبلاغة الشعرية، فالبيان السياسي، فالجدال السوفسطائي، فالبرهان الرياضي، فالاستقراء الطبي والطبيعي، ماذا كان معروفاً من كل هذا وبصفة مستقلة عن النص الأرسطي نفسه لدى المسلمين؟ لا ينكر أحد أن قسطاً منه كان معروفاً، وهو ما نجده مبسوطاً عن ابن النديم وصاعد والشهرستاني وغيرهم، وما تشير إليه بعض ملاحظات ابن سينا وابن حزم عن الفوارق التعبيرية في اليونانية واللاتينية والعربية. أننا لا ننفي وجود علم موروث عن الثقافة اليونانية بقي مبثوثاً في المناطق الواسعة التي توحّدت ثقافياً اثر تأسيس امبراطورية اسكندر المقدوني. إلا أننا نود أن نعرف أكثر مما يشار إليه عادة في سطور معدودات.

تمّ استيعاب المنطق، هل تمّ التمييز بين فصوله وأجزائه؟ لا نرى وجود نص أصلي مباشر، كما توجد نصوص تأسيسية مباشرة للعلوم الإسلامية المحضة كاللغة أو الفقه أو الحديث، يعرب ويحقق في عملية مستمرة. لا نرى تقدماً في التعريب والتحقيق موازياً للتقدم في الفهم والتأويل. قد تكون دعوة العودة إلى أرسطو الحقيقي، التي شهدتها الأندلس قبيل ابن رشد وأثناء حياته، عائدة إلى التعرف على نص غير النص الذي اعتمد في الشرق قبل ثلاثة قرون. لكن هذا النص الجديد لا نعرفه، هو أيضاً، معرفة مباشرة. نحكم بأنه أكمل وأوفى لأن شروح ابن رشد تكتسي تلك الصفة. وحتى لو صحّ ما يقال عنه، فيكون اكتشافاً يتيماً كما كان الاكتشاف الأول يتيماً. لم تؤسس عليه حركة تحقيقية متواصلة، مثل ما نلاحظ عند أصحاب الحديث، وعند نقاد الشعر.

لا يكفي، للحكم على أثر المنطق في الفكر الإسلامي، أن نحصر الكلام في المضمون فقط، لا بد لنا من الالتفات إلى ظروف التلقين، سيما ونحن نعلم ما دار حول ذلك من نقاش حادّ منذ القرن الماضي وإلى يومنا هذا في كل البلاد المتقدمة. لا ينفصل أبداً المنطق عن طرق تلقينه. نجد عند طه حسين في كتابه الأيام صفحات ممتعة وعميقة حول ظروف التعليم في الأزهر. والدلالة في شهادة طه حسين هي أنه كان يتعلم المنطق رغم أنه كان لا يبصر. كان إذن متساوياً مع زملائه المبصرين. لم يكن إذن المنطق المدروس آنذاك يتطلب أكثر من تصور القضايا في الذهن والحفظ لأن الأمثلة كانت كلها مأخوذة من اللغة. هل يتصور هذا في قاعة درس عصرية؟ إذا كان المنطق يدرس على الطريقة الأزهرية كيف نتعجب إذا استعمل أساساً في الجدال والخطابة والنقد؟ وكيف نتعجب إذا بقيت المعارضة له حيّة تستغل نفس الاعتراضات التي فاه بها اللغويون والنحاة منذ البداية؟

لننتقل من الأزهر إلى معهد تعليمي أوروبي، نلاحظ على التوّ أن لا أحد يتصور تلقين المنطق بدون رسم أو خط، أي بدون كتابة وبدون لجوء إلى رموز عددية أو هندسية. وندرك في الحين كيف أمكن لهذا المنطق الذي لا يكتفي بالعبارة الشفوية أن يتطور من منطق شكلي أو صوري إلى منطق رمزي. فالرمز هو الذي يظهر ما خفي من علاقة المنطق، وبخاصة في شكل البرهان، بالرياضيات، وبالتالي يوضح أنه لغة فوق اللغات وبالتالي لا يتأثر في شيء بالاعتراضات التي تنبثق من تفحص إحدى اللغات الطبيعية، أي النحو فيما يخصنا. فعدم انتشار الملكة الكتابية وضيق رقعة الترميز، إذا كانت الأمثلة تعتمد على حروف هجائية منطوقة فقط، كل هذا، الناجم عن أوضاع اجتماعية معينة، منع الأنصار والخصوم من الاهتداء إلى الطريق المؤدي إلى تطور مستمر. والدليل على ما نقول هو سكوت متّى على ما قرره السيرافي من أن: “لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها”. (ص122) و: “ليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط (العقلي) ويحيط به” (ص 126). يكفي أن نبدل اللفظ بالرمز لكي يرتفع الامتناع ويتطور المنطق إلى درجة أعلى. إلا أن مثل هذا التطور لم يكن وارداً في إطار ثقافة شفوية وفي مجتمع غير متجانس.

لو تصورنا أن المسلمين عرفوا المنطق لا كعلم مستقل عن المحيط الثقافي، بل كعبارة عن الواقع اليوناني، فقاموا بتحقيق نص المسند الأرسطي في عملية جماعية لا تتوقف وتظهر باستمرار وفي كل مرحلة مرحلة مستوى أشمل وأعمق من تلك الأرضية الثقافية، لتمّ لديهم بالضرورة تفكيك المسند إلى مكوناته، ولتجلّى ارتباط كل كتاب من الكتب الثمانية بمجموعة معينة من المعارف المكتسبة طيلة القرون السابقة، ولما ظهر لهم كشكل من أشكال الكائن المختلفة كما تصور ذلك المترجمون والشراح الأوائل، وجلهم نصارى ورثوا هذا التأويل عن أسلافهم، ولاتضح كذلك أثناء التفكيك اتصال كتاب البرهان بالرياضيات، ولظهر بالتالي أن ما يجب القيام به ليس التعريب، إبدال كلمة بأخرى، بل الترميز، إبدال فكرة برقم أو تخطيط. هل يتصور أحد أنه يمكن أن تحل السبّورة محل اللوح، والتباشير محل القلم، والمقعد محل الحصير، والمدرسة محل الزاوية أو المسجد في ظروف غير هذه وبدون هذه المسبقات الفكرية والثقافية؟

……………………………

المصدر : مفهوم العقل.