جبنيانة: كيف صارت مدينة تاريخية لليسار؟

رغم أن تاريخ اليسار في المدينة لم يُوضع بعد على محك الدرس التاريخي والانتروبولوجي ومازال يُستعاد في سياق الذاكرة الشفوية، إلا أن الكثير من النشطاء يجمعون على الدور التاريخي للحركة التلمذية كينبوع ورافد رئيسي للفكر اليساري. في هذا السياق، يذهب عبد الواحد المكني، الأستاذ المحاضر في التاريخ المعاصر وأحد المنخرطين في النشاط اليساري التلمذي بالمدينة، إلى أن ”بروز اليسار في جبنيانة كان في نهاية الستينات وقد ارتبط بالمعهد الثانوي 18 جانفي 1952، وفي أواخر سنة 1974 كان الظهور العلني والرسمي بكتابة الشعارات على الجدران من طرف التلاميذ بتنظيم من منظمة العامل التونسي، وقد تلته إيقافات ومحاكمات. وقد تواصل حتى تاريخ الإضراب العام في 26 جانفي 1978 الذي لحقته موجة طرد للعديد من تلاميذ المعهد“.

تحول المعهد الثانوي 18 جانفي 1952 -الذي كان يحتوي على مبيت تصل طاقة استيعابه إلى 1500 تلميذ- إلى حاضنة فكرية تزدحم بالعديد من التيارات اليسارية، ومنذ سنة 1980 تقريبا نشطت فيه العديد من المجموعات اليسارية الناشئة آنذاك من بينها النقابيين الثوريين والتروتسكيين والوطنيين الديمقراطيين، إضافة إلى وجود نواة للحزب الشيوعي. وفي هذا السياق يلاحظ الأستاذ عبد الواحد المكني تأثر الحركة التلمذية بالفكر الماوي منذ سنة 1968، مرجعا ذلك إلى سهولة انتشار هذا الفكر في المناطق ذات الطبيعة الفلاحية على غرار مدينة جبنيانة.

هذا وتحتفظ الذاكرة اليسارية في المدينة بنشاط المرأة في الخلايا اليسارية منذ سنة 1975، وقد تم طرد 5 تلميذات من المعهد الثانوي بسبب مشاركتهن في الإضراب العام الذي دعى إليه الاتحاد العام التونسي للشغل في 26 جانفي 1978. وقد لعبت المرأة بشكل عام دورا مهما في تسهيل النشاط السري لمنظمة العامل التونسي منذ عقد السبعينات نظرا لحالة المنع السياسي التي كان يفرضها نظام بورقيبة على الفضاء العام.

من المعهد إلى الفضاء الثقافي

علاوة على الانتشار في الحركة التلمذية، برز العمل اليساري في النشاط الجمعياتي من بينها جمعية التعاون المدرسي والجمعية الرياضية وفي المصائف، وقد لعبت العناصر المنتسبة لمنظمة آفاق ”برسبكتيف“ اليسارية دورا في مد الجذور الأولى لهذا الفكر منذ أواسط الستينات. إضافة إلى هذا لعب العمل الثقافي في فترة لاحقة دورا مهما في تجذير الفكر اليساري في المدينة، في هذا السياق يلاحظ سامي بالحاج، معلم متقاعد ومناضل في حزب العمال، أن ”النشاط الثقافي اليساري انطلق في 1979 عندما قام بعض النشطاء بالاحتجاج من أجل فتح دار الثقافة التي كانت الأنشطة فيها تُسند بترخيص من الحزب الدستوري الاشتراكي، وقد تم بعث نادي الفكر في تلك السنة الذي كان يناقش العديد من المسائل الفكرية وتم بعث نادي سينما تشرف عليه عناصر يسارية“. مثلت مدينة جبنيانة أيضا منذ أواسط الثمانينات وجهة للفرق الموسيقية الملتزمة من بينها البحث الموسيقي والحمائم البيض وقد زارها أيضا الفنان المصري الشيخ إمام عيسى. وقد لقي الفن الملتزم رواجا في المدينة عبر أشرطة ”الكاسيت“ التي كان يذيعها نشطاء اليسار في الحركة التلمذية.

الانخراط العائلي والتأثير الاجتماعي

الحضور النشيط للعناصر اليسارية في المدينة كانت له القدرة على الخروج بالفكر من فضاء ”الثقافة العالمة“ إلى الفضاء الشعبي. في هذا السياق يستعيد منذر زعتور، أستاذ تعليم ثانوي ومناضل في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، حانوت محمد الخياط الذي كان يقرأ فيه جريدة الشعب ويستمع فيه إلى أغاني الشيخ إمام، مشيرا إلى أن ”اليسار التلمذي أثّر في محيطه المحلي وساهم في تزويد الحركة الطلابية التونسية بالعديد من المناضلين“. هذا ويضيف منذر زعتور بالقول ”لقد امتد النضال التلمذي من المعهد إلى الجامعة، وقد بدأت تجربتي في دار المعلمين العليا في 1985 وساهمت صحبة العديد من طلبة جبنيانة في إنجاز المؤتمر 18 خارق للعادة الذي عقده الاتحاد العام لطلبة تونس في ماي 1988“.

من جهته يشير خالد عاشور، مناضل في حزب العمال، إلى أن ”من الميزات الفريدة لليسار في جبنيانة وخاصة مع تشكل أولى خلايا حزب العمال الشيوعي التونسي أواسط الثمانينات أنه وقع تبنيه من طرف العائلات في جبنيانة من بينها دار ”نعمان“ و”الغالي“ و”بن حسين“ و”المحجوبي“ و”بن علية“ و”بن صالح“ و”الصحبي“ و”زعتور“ و”عاشور“ و”بن مفتاح“ و”بالحاج“…“

يعد الزخم الفكري والاجتماعي الذي راكمته الحركة اليسارية في جبنيانة ظاهرة ملفتة للانتباه، تستدعي دائما القراءة ”العلمية“ لميكانيزمات امتداد هذا الفكر في منطقة طَرفية مثل جبنيانة وسياقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. هذا ولم يُخف العديد من النشطاء الذين تحدثنا إليهم هاجس استعادة الذاكرة اليسارية في جبنيانة، مشيرين إلى أهمية كتابة هذه الذاكرة التي تعرضت معظم حواملها المادية مثل البيانات ومحاضر الجلسات والوثائق السياسية إلى الإتلاف بسبب الملاحقة الأمنية والسياسية للأنظمة الاستبدادية، مما أفسح مجالا كبيرا لهيمنة الذاكرة الشفوية. هذا ويشير البعض الآخر إلى أهمية استثمار عناصر الاختلاف التي خلقتها التجربة اليسارية في المدينة –بوصفها خصوصية- والابتعاد عن النزعات الطهورية التي ساهمت في تشتيت المجموعات اليسارية.

Politics

Inscrivez-vous

à notre newsletter

pour ne rien rater de nawaat.org

Leave a Reply

Your email address will not be published.