trump-tunisie
حُسمت الانتخابات الأمريكيّة صبيحة اليوم 09 نوفمبر 2016، لينتصر استعراض الفحولة والكعوب العالية وصورة راعي البقر، على الوجه المنّمق للسياسات الأمريكية وتمثيليّة القيم العليا والنفاق الأخلاقوي الذّي حاولت هيلاري كلينتون استمالة الأمريكيّين والمموّلين من خلاله لدعم حملتها الانتخابيّة. نصر أثبت من خلاله دونالد ترامب أنّ الشعوب سواسية في افتتانها أو ضعفها أمام الشخصيّات الصادمة، وأنّها قد تُساق في أيّ لحظة لاختيارات “جنونيّة” خاضعة للمراكمات السياسيّة والسوسيولوجيّة والثقافيّة.

تونس ما بعد 14 جانفي 2011، والتّي لم تعرف طوال السنوات الخمس الماضية غير حضن الديمقراطيّين والرئيس السابق باراك أوباما، قطعت حكوماتها المتعاقبة شوطا مهمّا على “الطريق الصحيح” (على حدّ تعبير الرئيس الباجي قائد السبسي) الذّي رسمه الأمريكيّون. لكنّها تجد نفسها اليوم في مواجهة إدارة “جمهوريّة” جديدة، قد لا تختلف في السياسات الكبرى عن سابقاتها، لكنّها خلقت منذ الساعات الأولى مناخا من الشخوص والبهتة والترّقب في الساحة السياسية التونسيّة، خصوصا وأنّ أهمّ الأطراف السياسيّة في تونس معنيّون بشكل أو بآخر بتصريحات ترامب المتجرّدة من أبسط قواعد الديبلوماسية.

الرئيس يُجامل والنهضة أوّل المهنّئين  

لساعات، خيّم الصمت على المشهد السياسيّ التونسيّ عقب إعلان نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدّة الأمريكيّة، في ترجمة واضحة لحالة الصدمة والشخوص التّي خلّفتها نتيجة كذّبت جميع التحليلات وإعلانات سبر الآراء. الصمت التونسيّ لم يطل لتكون حركة النهضة أوّل المهنّئين لرئيس الولايات المتحدة الجديد، في بيان مقتضب لرئيس الحركة راشد الغنّوشي قبيل منتصف نهار اليوم. الأسطر القليلة التي تضمّنها البيان المذكور نقل بشكل واضح حالة الترقّب والتوجّس من الوافد الجديد على البيت الأبيض، حيث وجّه رئيس الحركة بعد عبارات التهنئة البروتوكولية، دعوة مبطّنة إلى المحافظة على نفس السياسة الأمريكيّة تجاه تونس، وأحزابها، في محاولة مقصودة للقفز على تصريحات دونالد ترامب المنتقدة للإخوان المسلمين واعتباره مراهنة الإدارة السابقة على هذا التنظيم الدولي خيارا فاشلا أسهم في مزيد من الفوضى وتدعيم انتشار الجماعات الإسلامية المتطرّفة. بل ويذهب البيان إلى طمأنة النفس باعتبار السياسات الخارجيّة الأمريكيّة “مسائل إستراتيجية تتولاّها بالأساس المؤسسات بناءً على المصالح القومية الأمريكية العليا في العالم.” موقف حركة النهضة يعكس استمرار قلقها من ارتداد السياسة الأمريكيّة عن خيار المراهنة على الاسلاميّين، وهو موقف تلمّسته منذ بداية 2014 حين اختارت حينها الانسحاب من صدارة المشهد السياسيّ والاكتفاء بالحضور الفعّال والمحاصصة في الحكومات المتعاقبة.

أمّا رئاسة الجمهورية، ورغم تأخّرها النسبيّ في ردّ الفعل إزاء نتائج الانتخابات الأمريكيّة، إلا أنّها أصدرت بيانا موقّعا من رئيس الجمهورية حمل هو الآخر رغم طابعه البروتوكولي عددا من الرسائل الضمنية للرئيس الأمريكي الجديد. إذ شدّدت رسالة التهنئة على ثلاث نقاط اساسيّة. الأولى تتعلّق بتمسّك تونس بمواصلة الاحتماء بالمظّلة الأمريكيّة وتعزيز ما أسماه رئيس الجمهورية “أواصر الصداقة” التي تدعّمت بشكل كبير خلال فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما، والتي جرّت تونس إلى الاستسلام المطلق للإرادة الأمريكيّة على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والانحياز أكثر فأكثر للأمريكيّين في حروب إعادة تقاسم النفوذ في المنطقة العربية. الرسالة الثانية التي تضمّنها بيان رئاسة الجمهورية كانت التأكيد على الحاجة التونسيّة المستمرة للدعم الأمريكيّ فيما يسمّى “مرحلة الانتقال الديمقراطيّ” والتي التزمت بها الإدارة الأمريكية السابقة وتجلّت من خلال فتح أبواب البيت الأبيض للمسؤولين التونسيين خمس مرّات خلال خمس سنوات، بينما لم تتعدّى ثلاث مرّات خلال 60 سنة قبل 2011، ليتحوّل الدعم والتعاون الأمريكيّ إلى وصاية حقيقيّة ترسم ملامح مخطّطات الدولة الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة.

الرسالة الثالثة كانت التعهّد بالتزام تونس المطلق بالتعاون مع الولايات المتحّدة الأمريكيّة على الصعيد الأمني والعسكري ضمن ما يعرف بالحرب الدولية على الإرهاب، وقد جدّد رئيس الجمهورية التأكيد على “التزام [تونس] بدعم الجهود الرامية إلى محاربة مختلف مظاهر التطرف والإرهاب وحرصنا على مواصلة العمل سويا من أجل إثراء مضامين شراكتنا الاستراتيجية”، في إشارة واضحة إلى استمرار الحكومة التونسية في تقديم الخدمات الاستخباراتية واللوجيستية للولايات المتحّدة وقوّاتها في حوض المتوّسط، والتي تأكّدت في سلسلة الاتفاقيات والمفاهمات الثنائيّة التي نُشرت سابقا.

ردود فعل اللاعبيْن الأبرز والأكبر في الساحة السياسيّة، يعكس حجم الترقّب والقلق من الرئيس الامريكيّ الجديد الذّي لم يسعى لإخفاء التوّجهات العامة لسياسته الخارجيّة، التي اعتبرها الكثيرون حينها مجرّد استعراضات كلامية تخدم مصلحة الديمقراطيّين وتكرّس عزلة هذا الأخير، ليسارع من انتقدهم إلى استباق الجميع لتهنئته.

ظلال تصريحات ترامب على تونس

الموقف التونسي الذّي تجلّى في بيانات حزب حركة النهضة أو رئاسة الجمهورية، تبلور جرّاء تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب خلال الحملة الانتخابيّة. وإن لم يرد اسم تونس حرفيا في مداخلاته أو خطاباته العلنية والخاصة، إلا أنّ ظلال هذه المواقف طالت الساحة المحليّة وخيّمت على المشهد السياسي التونسي الجديد الذّي شكّل مواقفه وشبكات ارتباطاته الدولية تحت رعاية الإدارة الديمقراطية والرئيس السابق باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون.

معاداة الإخوان المسلمين والإشادة بنظام عبد الفتّاح السيسي، كان أبرز التصريحات التي أثارت الجدل في المنطقة وطالت ارتداداتها تونس، أين ما يزال الإسلاميون ممثّلين في حركة النهضة يلعبون دورا أساسيا في الحياة السياسيّة. الموقف العدائيّ الذّي اتخذته حركة النهضة من الرئيس المصري الحالي عبد الفتّاح السيسي وارتباطها الفكري والتنظيمي بجماعة الاخوان المسلمين، يضعها في تناقض واضح مع الموقف الأمريكي الجديد المعاكس تماما بحسب تصريحات ترامب لرهان الإدارة الأمريكية السابقة على الاسلاميّين خلال موجة التغييرات السياسية التي طالت المنطقة. الاحراج الذّي تعيشه حركة النهضة بعد الانتخابات الأمريكيّة لا يقتصر على هذه النقطة فحسب، بل يمتدّ ليشمل اصطفافها السياسي مع المملكة العربية السعوديّة التي صنّفها الرئيس الأمريكي الجديد خلال حملته الانتخابية كمصدر أساسي للإرهاب وهدفا محتملا لعصاه التأديبيّة. إحراج ينسحب على الحكومة التونسية بأسرها بعد تماديها في سياسة الإصطفاف الدولي والتموقع في تحالفات سياسية “طائفيّة” شكّلتها المملكة العربية السعودية في سياق صراعها مع الإيرانيّين.

على الصعيد الاقتصاديّ، يبدو موقف دونالد ترامب من اتفاقيات التجارة الحرّة والذّي عبّر عنه في أكثر من كلمة أحد أكبر الهواجس التونسيّة. القلق الرسمي من تصريحات الرئيس الأمريكي الذي كان من أبرز الدعاة لتطبيق سياسة الانكماش الاقتصادي وحماية السوق والصناعات الأمريكيّة، عبر إعادة النظر في الاتفاقات التجارية الدوليّة وفرض ضرائب على الواردات لحماية المنتجات الأمريكيّة، تجلّى بوضوح في مداخلة السفير التونسي في واشنطن فيصل قويعة على إذاعة اكسبرس اف أم خلال الساعات الأولى عقب إعلان نتائج الانتخابات، حيث أشار هذا الأخير إلى مواصلة العمل من أجل التوقيع على اتفاقية التبادل الحر مع الطرف الامريكي. وقد اعتبر السفير التونسي أنّ التغيير السياسي الذّي تشهده الولايات المتحّدة الأمريكيّة قد يجعل من المساعي لتوقيع هذه الاتفاقيّة أكثر صعوبة وتعقيدا، موضّحا انّ الرؤية ما تزال ضبابيّة بخصوص الإدارة المقبلة وطبيعة السياسات الأمريكيّة المستقبليّة.

الخطاب التونسي الرسمي وبيانات الأحزاب والمسؤولين إزاء النتائج الصادمة للانتخابات الأمريكيّة، ركّزت على استعمال مصطلح الصداقة التونسيّة الأمريكيّة لبعث الرسائل والتطمينات للإدارة الأمريكيّة الجديدة، إلاّ أنّ المحدّد للتعامل الأمريكيّ مع الشأن التونسيّ في المستقبل لن تكون حتما الصداقة، فما يصنع السياسة الأمريكيّة هي مصالحها لا صداقاتها.