بقلم محمد سمیح الباجي عكّاز،

یجمع خبراء الإقتصاد على اختالف آرائھم على أنّ النمو الإقتصادي ھو صمام الأمان الضامن لبلوغ مشارف اللإستقرار السیاسي، و لعلھم غیر بعیدین عن إدراك أن احتواء نسبة البطالة و تحسین مستوى الدخل الفردي و القدرة الشرائیّة و ھیكلة البرامج التنمویة وفق الإحتیاجات الحقیقیّة للبلد ھو “بولیصة التأمین” الكفیلة بإخراجھا من عنق الزجاجة..الزیادات المتواترة في أسعار المحروقات أحدثت خروقا واضحة على مستوى السیاسات المتّبعة، وكشفت عن وھن یطبق باستراتیجیات الحكومة وعجز واضح عن ٕادارة المرحلة..

خلفیّات الترفیع في سعر المحروقات

حین تختنق موارد الدولة، و ترتفع نفقاتھا الى درجة یخرج فیھا العجز عن نطاق السیطرة، تلجأ السلطة التنفیذیّة الى أدوات السیاسة الإقتصادیّة و التّي من أھّمھا الترفیع في الإیرادات العمومیّة و التخفیض – في المقابل- في مصاریفھا، أو الى الزیادة في الضرائب و الإتاوات..

في تونس، لجأت الدولة الى سیاسة التقشّف، و اعتمدت من خاللھا على الترفیع فيأسعار المحروقات.. ترفیع من شأنھأن یغ ّذي خزائن الدولة بالملیارات في وقت قیاس ّي خا ّصة وأن كلّ زیادة بـ 100 مل ّیم فيأسعار المحروقات تعني دخول مبلغ ملیار الى الخزینة ال ّعامة.. لكن ما یغیب عن السلطة التنفیذیّة، ھوأن الوجھ المشرق لھذه السیاسة یعكس في تفاصیلھ بعدا مأساو ّیا لھ انعكاسات خطیرة على كلّ القطاعات الإقتصادیّة.

أثار الترفیع الأخیر في شھر مارس الفارط أسعار المحروقات جدلا كبیرا في الشارع التونسي المختنق في الأصل من غلاء المعیشة وعجز المواطن عن تلبیة حاجیاته الأساسیة. فعلى الرغم من ارتباط ھذا القطاع بكل المجالات الصناعیة والفالحیة، ٕالأ أن وزارة الصناعة لم تتردد في معاودة الترفیع، لیتكرّر بذلك برنامج التكییف الھیكلي الذي تبنّاه بن علي قبل ذلك لكن في نسخة معدّلة لتتلاءم مع الظرفیة الراھنة..قامت الحكومة في مرحلة أولى بجسّ نبض الشعب بتعلّة الضغط الكبیر الذي یعرفه صندوق 1 الدعم التونسي والذي أضحى بحاجة ماسّة ٕالى ضخّ بعض السیولة لإنعاشه.. من ھنا تمّ إقرار الزیادات الأولى في أسعار المحروقات، قبل أن یتكرّر السیناریو في شھر مارس المنقضي، حیث ارتفع سعر البنزین لیبلغ 1.570 دینار، في حین بلغ سعر القازوال صنف50 الـ 1.400 دینار والقازوال العادي 1.170 دینار..

وفي كلّ مرّة كانت الحكومة تبرّر ھذه الزیادات بارتفاع أسعار برمیل النفط الخّام في الأسواق العالمیة و عجزھا تبعا لذلك عن احتواء الفارق الذي تتكبّده جرّاء ذلك.. و قد أكّد وزیر المالیة ٕالیاس فخفاخ في أكثر من مناسبة على أن ھذه الزیادة ستمكن من تقلیص حجم الدعم في میزانیة 2013 بحوالي 500 ملیون دینار (من 4.7 ٕالى 4.2 ملیار دینار).. وعلى الرغم من أن تونس دولة منتجة للنفط، فإنّ وزارة المالیة ما تزال متشبّثة بھذه الأسباب الواھیة، ومتمسّكة بحجج فاقدة للصلاحیة أل ّن المتعارف علیه في شتّى أصقاع العالم أن الأقطار المنتجة للنفط لا تدعم ھذا القطاع.. من جھة أخرى، تبّرر الحكومة ھذه الزیادة بسعیھا للتغطیة على العجز المسجّل في المیزان التجاري و البالغ 8743.8 ملیون دینار حسب بیانات المعھد الوطني للإحصاء خلال شھر سبتمبر من سنة 2013.

وفي استجابة طبیعیة لھذه الزیادة، ارتفعت كلّ الأسعار المرتبطة بھا، حیث شملت مختلف المواد الإستھالكیة وقطاع الخدمات. فكما یعتبر السعر العالمي للنفط مقیاسا مرجعیا لدى كلّ الفاعلین الإقتصادیین، فإنّ الترفیع فیه على الصعید المحلّي یؤدّي أوتوماتیكیا ٕالى الإخالل بمنظومة الإنتاج بأكملھا.

الفلاحة تختنق..

أولال المتضرّرین من إرتفاع أسعار المحروقات ھو القطاع الفلاحي. ھذا القطاع الحیوي الّذي یساھم حالیّا في تشغیل حوالي 18% من الفئة الناشطة (علما و أنّ ھذه النسبة كانت سنة 1994 في حدود الـ %22) و یساھم في الناتج الوطني الخام) (PIB) 7% ، یعیش منذ فترة على وقع أزمة خانقة تھدّد بانحدار مؤشّراته نحو خانة الخطر، و یعود ذلك ٕالى جملة من العوامل أھمّھا مشاكل الأراضي الدولیّة و التھریب و ضبابیّة مسالك التوزیع والتي فاقمتھا الزیادات الأخیرة في أسعار المحروقات.. مقاربة تبدو فاقدة لمعاییر التوازن الواجب توفّرھا في المعادلات المیكرو اقتصادیة، و التي سیكون لھا تبعات كارثیّة على القطاع خصوصا ٕان علمنا أن استھلاك المحروقات یمثّل 60% من كلفة الإنتاج الفلاحي و70% في مجال الصید البحري..

و بفعل ھذه الزیادات، یجبر الفلاحون على الترفیع في أسعار البیع لتغطیة تكالیف الإنتاج الإضافیة.. سیاسة متوقّعة خاصّة و أن أكثر من 80% منھم یصنّفون من بین صغار الفلاّحين ذوي رأس المال والموارد المحدودة.

قطاع النقل..أكبر المتضرّرین..

قطاع النقل العمومي و الخاص علیھ أیضا أن یدفع ضریبة سیاسة الحكومة العشوائیة، باعتبار أن المحروقات ھي حجر الأساس في تحدید السعر النھائي لمختلف الخدمات التي یقدّمھا..و یشمل ھذا القطاع نقل الأفراد والسلع، سواء داخل التراب الوطني أو خلال عملیّات التصدیر و التورید و النقل الدولي للأفراد. فھو یساھم بما یناھز 7% من الناتج الوطني الخام، و یمثّل 15% من جملة الإستثمارات في البالد، یوفّر (بصفة مباشرة) ما یزید عن 120 ألف موطن شغل.. وبفعل الزیادات الأخیرة في المحروقات، سیدخل القطاع في دوامة عجز قد لا تدرك مخرجا إلا بعد أن تعصف بأعمدة الإقتصاد وتفقده الكثیر من حیویته..فتراكم الھوامش من شأنه أن یجعل من السعر المقترح للحریف رقما لا یقدر ھذا الأخیر على تحمّله، وھو ما سیجبر مستوى الأرباح على الإنخفاض، وھذا ینعكس على مساھمة القطاع في الناتج الإجمالي المحلّي وعلى مقدرته التنافسیة

الصّناعة تزداد مشاكلھا..

قطاع الصناعة ھو من بین المرشّحین للحصول على أكبر قدر من الضرر.. فبالإضافة إلى ما یتحمّله من تداعیات التجاذبات السیاسیة و الھشاشة الأمنیة، فھو یضطرّ الیوم ٕالى مواجھة معضلة أخرى..أكثر من مائة مؤسّسة صناع ّیة أغلقت أبوابھا منذ 14 جانفي 2011، و فقدت البلاد بذلك حوالي 12 ألف موطن شغل.. رقم مھول مقارنة بحالة الإنھیار التي تعیشھا البلاد، و بالنظر ٕالى مساھمة ھذا القطاع في الإقتصاد الوطني (28,6% من الناتج الوطني الخام و34% من نسبة التشغیل من السكان الناشطین).

الزیادات الأخیرة في المحروقات سترفع تكالیف الإنتاج و ستؤثّر بشكل مباشر في المقدرة التنافسیّة للمؤسّسات الصناعیّة والتي یختّص جزء كبیر منھا في الصناعات التصدیریّة.. كما سیحدّ مثل ھذا الإجراء من نسق الإستثمار المحلّي و الأجنبي في البلاد و الذي یشھد تباطؤ مردّه عزوف المستثمرین الأجانب و التونسیّین عن خوض تجربة الإستثمار في بلد ما یزال یتحسّس خطواته الأولى نحو الدیمقراطیة، ھذابالإضافةٕ الى ارتفاع كلفة الإستثمار المرتبطة بالید العاملة و المّواد الإستھالكّیة الضروریّة للإنتاج والتي من أھمّھا الطاقة.

المواطن كالعادة یدفع فاتورة الإنقاذ …

یأتي الترفیع الأخیر و تونس تعیش حالة من الإنكماش الإقتصادّي منذ الرابع عشر من جانفي 2011، تجلّى ذلك من خلال ارتفاع نسبة البطالة حیث بلغ عدد العاطلین عن العمل ما یقارب 710 ألف شخص، بالإضافة الى تراجع الإستثمارات و تخفیض التصنیف الإئتماني لتونس و تضرّر العدید من القطاعات من حالة عدم الإستقرار السیاسي و ارتفاع المدیونیّة و نسبة التضخّم التّي فاقت %5.8.

المواطن سیكون أول المتحملین لعبء الزیادة في سعر المحروقات، لیجد الموّظف و صغار التجّار و الفلاّحین وأصحاب الحرف و المھن الحرّة أنفسھم مكبّلین بتبعات ارتفاع تكالیف المعیشة. ھذا و تشیر الإحصائیات الأخیرة لوزارة الشؤون الإجتماعیة و إحصائیات المعھد الوطني للإحصاء أن نسبة الفقر في تونس تساوي 24.9٪ (في حین تبلغ نسبة الفقر المدقع 6,4%).

إن سیاسة الھروب ٕالى الأمام والإجراءات الوقتیّة، لن تكون الحلّ الحقیقيّ لمشاكل البلاد الإقتصادیّة، والمزایدات السیاسیّة والحسابات الإنتخابیّة لن تنتشل البلاد من حالة الإحباط الجماعيّ ولن تُخفّف من حالة الإحتقان الذي یجثو على صدور التونسیّین مھدّدا بانفجار الأوضاع وحرق البلاد والدخول في حالة من الفوضى ستقطع طریق العودة نحو الإستقرار و الى الأبد.

Inscrivez-vous

à notre newsletter

pour ne rien rater de nawaat.org

Leave a Reply

Your email address will not be published.