1 | 2 | 3

القسم الأول

باسم الله الرحمان الرحيم

أجرى الحوار: محمد الفاضل


حين يعلن البروفيسور منصف بن سالم الدخول في إضراب عن الطعام فإنه يكون قد أعلن الخروج عن صمته و أعلنت معه الحكمة متضامنةً خروجها عن عقال الأكاديميات، ليضعك، أنت الذي يحجب عنك مكر الاستبداد في تونس، ما لوإنكشف كان لك أبلغ من خطب السياسيين وتقارير خبراء السياسة، و حين تباغتُ، أنت الذي تنتمي إلى الألفية الثالثة بمفارقات الحداثة المغشوشة، و تضع نفسها، دولة المؤسسات والقانون أوهكذا يقال، في مواجهة رجل علم بقامة البروفسور بن سالم، وحين تتحالف الأنتليجنسيا الرثة التي ابتليت بها البلاد مع أنظمة الاستبداد السياسي في تونس لضرب هويتك تحت ألوية مكافحة فكر قيل عنه دونما إنصاف أنه متطرف، حين تـُحشَد كل تلك التحالفات ضد رجل العقلانية العلمية في تونس. فإن هكذا مواجهة ستضعك دفعة واحدة أمام الحقائق التونسية الأربعة: محنة المستضعفين، محنة المعرفة، محنة السياسة ومحنة الدين.

  • مع كل حدث تجري فيها انتهاكات بالغة الأهمية لحقوق الإنسان في تونس تقوم كعادتها السلطات التونسية بحجبها عن وسائل الإعلام قدر ما تستطيع وتغري أو تحاول أن تضغط على وسائل الإعلام لحجب حقيقة تلك الأحداث عن التونسيين وعن الرأي العام العالمي، فكيف تعامل الإعلام مع قضيتكم؟

يخشى النظام التونسي من الإعلام الذي أصبح في تقديري سلاح العصر في أيدي المعارضة لذلك يسعى النظام اليوم في كتم أنفاس الحقيقة… لم يكن هناك في السابق فضائيات وحين يصادف أن يكون هناك خلاف حول الرؤية في رمضان مثلاً أو أيام العيد كانت القناة التونسية تبث تسجيلاً قديماً للوقوف بعرفة وتقول أن هذا يحدث الآن، وكان يُـظن أن هذا يمكن أن ينطلي على الشعب التونسي لأنه لم يكن هناك قناوات أخرى يمكن مشاهدتها قد تكذب القناة الوطنية فيما إدعته.لذلك يتمنى النظام اليوم أن لو لم تكن هذه الفضائيات موجودة. فسنة 1996 على سبيل المثال، صدر عن وزير الداخلية أمر بجمع كل الصحون اللاقطة paraboles للقناوات الفضائية بتونس التي كان يبلغ عددها نحو خمسين ألف صحن لاقط لكن تحت الضغط أعيدت إلى أصحابها وأجبر أصحابها على دفع ضريبة قدرت بمائة دينار سنوياً.فهذه الخشية من الإعلام من لدن النظام دفعته إلى تكوين اللجنة الوطنية للإتصال الخارجي الذي ترأسها صلاح الدين المعاوي وهوايضا وزير للسياحة وهذه اللجنة لها من مزانية الدولة مخصصات هامة جداً ،وقد ظلت مهمتها تكذيب المعارضة و التعتيم عن الفضائح في الداخل والخارج، إضافة إلى سب المناضلين الشرفاء والتشهير بهم كذباً وزوراً…. لقد أصبحت تونس أول دولة في العالم تمنع الإبحار في الأنترنات وأول دولة تحاكم مستخدمي الشبكة.وهي أيضاً تُـسَجل من بين دول العالم لأعلى عدد مواقع تقوم دولة بحجبها عن المبحرين في الشبكة، إذ قامت ولاتزال تقوم بحجب 4000 موقع أنترنات. إذن فتونس تخشى الإعلام لما قد يكشفه عنها من حقائق، وقد وجدت من الأقلام المأجورة ومن الألسن المسيئة من يتطوع للدفاع عنها من أمثال: برهان بسيس و رضا الملولي وغيرهما، كما أن لتونس حساسية تجاه القنوات الفضائية الرائدة في العالم العربي مثل قناة الجزيرة و قناة العربية حتى أنهم خصصوا برنامج في قناة تونس7 لسب الجزيرة، وقد دعي الدكتور المنصف المرزوقي مرة للمشاركة في إحدى برامج قناة الجزيرة، فـطَلبت منه الحكومة القطرية بصورة مباشرة أن يحد خلال البرنامج من انتقاداته المعتادة للنظام التونسي وأن يخفف من تجريحا ته، فوعدهم بذلك وسافر من باريس إلى دولة قطر ليحضر البرنامج وفي المطار تم استقباله من طرف السلطة القطرية حرصاً منها على أن تكون توصياتها قد بلغته وأخذت منه وعداً بلزومها، لكن مع ذلك منع من المشاركة في البرنامج. كما أن الشيخ راشد الغنوشي دعي أيضا للمشاركة في إحدى البرامج وتم الإعلان عنه في الومضات الإشهارية وفي آخر وقت تم إلغاء البرنامج أيضا ففي برنامج أكثر من رأي لسامي الحداد بقناة الجزيرة تحدث أحد المداخلين من الدنمارك فذكر خلال حديثه تونس فرفع سامي حداد يده وقاطعه قائلاً: أرجوك يا أخ لا تذكر تونس فلنا معها مشاكل كثيرة.

وتحضرني الآن كلمة وزير الصناعة الإسرائيلي و هو من حزب كاديما المنشق عن حزب اللكود يرد على سؤال وجه له:فيما لو فاجأكم حزب اللكود بالانتصار في الانتخابات ؟ فأجاب: أن اللكود لن ينتصر حتى ولوكان على رأسه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي…!وفي البرلمان الأوروبي أيضا طرح سؤال عما إذا كانت إنتخابات أكرانيا قد وقعت فيها خرقات؟ فقال نعم وقعت خرقات كبيرة إلى حد يمكنني أن أصفها بانتخابات تونس أو كوبا أو كوريا الشمالية. لقد أصبح العالم يتندر بتونس بسبب حجم الانتهاكات الحقوقية.

  • أنتم دُعيتم من قبل قناة العربية لتُـجري مع سيادتكم حديثاً لكن لم يتم ذلك، فماذا حدث بالضبط؟.

نعم، تحديداً في يوم الخميس 06.04.2006 هاتفتني قناة العربية عدة مرات وطَلبت مني الحديث إليها على الساعة السادسة بتوقيت غرينيتش، وطلبـت مني صورة شخصية فبعثت بها إلي القناة، وانتظرت إلى أن انتهت نشرة الأخبار ولم يتصل بي أحد، حاولت بعدها الإتصال برئيس تحرير القناة الذي وعدني بالحوار لكن ظل الهاتف يرن طويلاً دون أن يرفع أحد السماعة !! أرجو أن يكون المانع خيراً، كما أرجو أن تتدارك قناة العربية هذا الخطأ وتجري الحوار نصرة للحق، فمن لا ينصر الحق يُخشى أن يكون شيطان أخرس.

  • نريد أن نفهم، تدخلات السلطات التونسية هذه لدى وسائل الإعلام والفضائيات كانت تحد ث دائماً من أجل حجب الحقيقة، لكن حين يحدث هذا بصورة متكررة مع شخصكم، هل يمكن أن يكون لهذا السلوك من مدلولات جديدة ؟

في ما يخصني، الحقيقة لم يحدث تدخل السلطات التونسية لدى وسائل الإعلام فقط بل حدث أيضاً لدى وفد من الكنغرس الأمريكي، ففي التسعينات جرى مخابرتي من الولايات المتحدة الأمريكية ثم السفارة الأمريكية لاستقبال وفد من الكنغرس الأمريكي كان يرغب في زيارتي، وقد جرى هذا تحت ضغط من المؤسسات العلمية أهمها كانت الأكاديمية القومية للعلوم بأمريكا ومنظمات حقوقية عديدة وبعض الزملاء الأمريكيين الموجودين في مواقع متقدمة في الإدارة الأمريكية، بعد مدة خابرتني السفارة الأمريكية تسأل إن كنت موجوداً بالمنزل لأن وفداً من الكنغرس الأمريكي يرغب في زيارتك يوم كذا للإطلاع على وضعي ميدانياً.بقيت في الإنظار طوال اليوم لكني فوجئت من خلال النشرة المسائية للأخبار بقناة سبعة ،أن رئيس الدولة يلتقي بمجموعة من الكنغرس الأمريكي ولم يزوروني ..وعلى هذا المنوال حدث ذلك لثلاث مرات تفصل بين الزيارة والتي تليها نحو سنة تقريباً، كل مرة يأتي فيها وفد الكنغرس قصد مقابلتي فيلتقي بالرئاسة ثم يغادر فوراً. سمعت على إثر ذلك أنه كان يقال لهم أن وفد الكنغرس إن زارني فقد يتسبب في إفساد العلاقات الطيبة بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية. والولايات المتحدة كانت طبعاً تتفهم موقف تونس !! لأنها كانت مشغولة بالتسابق من أجل السيطرة على شمال إفريقيا.

  • حين يتعلق الأمر بالحجب عن الأستاذ الدكتور منصف بن سالم فإن الأمر قد يختلف عن الحجب عن شخصيات وطنية أخرى، فمثلاً السادة نجيب الشابي وحمة الهمامي ومحمد النوري ولطفي الحجي…وغيرهم من رموز18 أكتوبر، و الجميع مقاماتهم عندنا محفوظة، زارهم السفير الأمريكي وسفراء أخرون و زارتهم شخصيات دبلوماسية وشخصيات بقامات دولية، ولم يتم منع أحد دون الوصول إليهم، لكن أن يتم تحويل وجهة وفد الكنغرس الأمريكي ثلاث مرات و كان قد عزم الوفد كل مرة على زيارتكم والإطلاع على أحوالكم في إقامتكم الجبرية، هذا يجعل أن المسألة مع شخصكم تعني بالنسبة للسلطات التونسية أكثر من معنى وربما أكثر من المعنى السياسي ذاته، فهل لكم أن تفسروا لنا ذلك؟

هذا صحيح، حين كنت في السجن، علمت أن ملفي كان يشار إليه بعلامة حمراء، وأن هذا السجين، كما يقال عني: من نوع خاص ويجب أن يبقى في غرفة ليس بها أي سياسي. وقد سجنت مرتين متتاليتين: الأولى من 1987إلى1989 إيقاف بدون محاكمة يرتبط الأمر وقتها بلجنة الإنقاذ الوطني والمناسبة الثانية بين 1990إلى1993 إثر تصريح صحفي أدليت به للصحافة. في الواقع ما حدث معي له تفصيلات كثيرة ولا يمكنني الآن أن أسرد الأحداث من الأول، لكن يبدو أنني في تقدير السلطة أمثل خطراً كبيراً عليها فقد بلغني أن مسؤولاً في وزارة الداخلية كان يلقي درساً على أعوان الأمن المكلفين بمراقبتي بمحل سكناي يقول لهم: أنتم الآن في حراسة فلان وفي الأثناء سمعتم أن باخرة دخلت إلى الميناء بها أسلحة مهربة كما سمعتم أن منشوراً يوزع في مكان ما من قبل المنصف بن سالم ولم يكن لكم من عناصر الأمن ما يكفيكم فبأي الأهداف تهتمون، الباخرة المهربة للأسلحة أم منشور منصف بن سالم ؟ فقالوا له جميعاً نهتم بباخرة الأسلحة فقال لهم مسؤول الداخلية بل عليكم أن تهتموا بمنشور منصف بن سالم ..!!! حدث هذا في وزارة الداخلية.

فالتدخلات لدى أعلى هرم في السلطة وردود الفعل عن تلك التدخلات يُـفسَر عندي بتشنج رأس النظام بالذات لما يتعلق الأمر بشخصي.فوزير التعليم العالي سابقاً العالم الكبير في الرياضيات (laurent Schwartz)جاء إلى تونس والتقى برئيس الدولة فوعده أن يسوي وضعيتي بصورة نهائية فقام هذا الوزير بتسميتي بجامعة:
(Pierre et marie curie) بباريس 6 لكن لم يحدث من تلك الوعود شيئاً وقد حدثني الوزير بعد ذلك قائلاً: لأول مرة أتلقى وعوداً من أعلى مسؤول في دولة ثم يتم التراجع عنه.

ثم الشخصية البارزة البروفسور محمد عبد السلام الحائز على جائزة نوبل والذي كان من وراء صناعة القنبلة النووية الباكستانية، يأتي مرتين إلى تونس ويتلقى وعود بحل مشكلتي لكن لا يتم الوفاء بتلك الوعود.

و يتدخل الأمير عبد الله أيضاً ولي العهد السعودي حينها ويقوم بتسميتي أستاذ بجامعة الرياض ويطلب من السلطة التونسية أن يفسحوا لي طريق السفر وقد ذهبت إثرها إلى سفارة السعودية واستلمت إستمارة التعيين والعلاوات وغيرها وأوراق السفر على أساس أن موعد سفري قد تعين حينها ليوم الأربعاء وأعلمتهم أنه ليس لي و لا لعائلتي جوازات سفر فقالوا لي أن هذا أمر بسيط، فخلال ساعة ستكون الجوازات في حوزتك لكن لم يحدث من وقتها أي شيء.

ورغم هذه التدخلات الثقيلة لم تحل مشكلتي والرئيس ذاته بعث إلي مستشاره ووعدني بأن يحل مشكلتي في أقرب وقت لكن لم يحدث شيء.والواقع انه لايمكنني أن أفسر هذا السلوك المغالي تجاهي إلا لكوني والحمد لله نظيف وليس للنظام علي أي مَمْسك سياسي يآخذني عليه، فالنظام يعلم أني لم أتراجع ولن أتراجع عن كلمة الحق وقد كان ينتظر مني أن أضعف أمام الإغراء المادي.

ففي سنة1994 منعني النظام من حضور مرض والدتي، وهي مقيمة على مسافة 50كلمتر من محل سكناي كانت والدتي حينها على فراش الموت وكنت في المنزل تحت الإقامة الجبرية وكانوا قد اشترطوا علي للذهاب لزيارتها أن أهتف فقط قبل مغادرة المنزل إلي رئيس مركز الشرطة بمنطقة سكناي لأستأذنه في الذهاب، قلت أبداً، لن أرضخ لهذه الأوامر، إما أن أذهب إلى والدتي بكل حرية وإلا فأنا باق بالمنزل، وبلغت أمي ساعاتها الأخيرة من الحياة فهتف إلي المحافظ ليبلغني أن والدتي قد ماتت وأنه علي فقط أن أبلغهم حال ذهابي قلت أبداً لن يحدث هذا، توفيت والدتي ودفنت ولم أحضر جنازتها، ولعلمك فطيلة حياتي لم أوقع للنظام أو للسلطة على أي شيء.فإن كنت على حق فلماذا أوقع لهم أوأستأذن منهم والإقامة الجبرية المضروبة علي ليست قانونية فلم يصدر في حقي حكم بهذا وإنما هم يمارسونها علي بقرار من الشرطة ودون أساس قانوني.ربما أدرك النظام أنني إذا كنت قد ضحيتُ برؤية والدتي في ساعاتها الأخيرة من أجل حريتي، فلن يكون له معي بعدَها حوار يرجى.

في إحدى أيام السجن كانت لي زيارة من زوجتي..فمازحت الحارس بالقول: لما لا تتركوني أغادر مع زوجتي؟ وكان مدير السجن على مقربة مني وسمع حديثي هذا، فأسرع إلي قائلاً: والله ستعود إلى منزلك حالاً لو كتبت فقط رسالة إلى سيادة الرئيس، قلت: والله لن يكون هذا، فلو خدرتموني ثم حملتموني على التوقيع وأنا على تلك الحالة فسأقطع يدي حالما أستفيق.

  • ماذا يمكن أن نفهم من معاملة بهذا الشكل في حقك من قبل جهات مسؤولة عرفت بمحدوديتها المعرفية والعلمية ؟

لنأخذ وزير العدل الصادق شعبان كان أستاذاً جامعياً وهو يعرفني جيداً ويعرف سمعتي في الجامعة يوم كانت سمعته في الحضيض، ويعلم هو أي صورة كانت له عند الطلبة، كيف يرضى هذا أن أكون حراً، الأمر نفسه مع بن ضياء كيف يمكن لهؤلاء أن يتركوني حر، الواقع لولا التدخلات الأجنبية لكانوا قتلوني منذ سنين والحمد لله جعل لي الله حماية من حيث لا أحتسب.

عندما بعث من إسرائيل 400 من كبار العلماء في العالم منهم الحائزين على جائزة نوبل للسلام بإمضاءاتهم مطالبين بإطلاق سراحي، أحالوا الخبر إلى جريدة الشروق لتنشر مقالا طويلاً يثير التساؤلات حول علاقة المنصف بن سالم بإسرائيل…!

1 | 2 | 3

يتبع

Inscrivez-vous

à notre newsletter

pour ne rien rater de nawaat.org

Leave a Reply

Your email address will not be published.